ابن عجيبة

14

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً أي : وسخّرنا الطير مجموعة من كلّ ناحية . عن ابن عباس رضي اللّه عنه : كان إذا سبّح ، جاوبته الجبال بالتسبيح ، واجتمعت إليه الطير ، فسبّحت ، فذلك حشرها . كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ أي : كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود . ووضع الأوّاب موضع المسبّح ؛ لأن الأوّاب : الكثير الرّجوع إلى اللّه تعالى ، من عادته أن يكثر ذكر اللّه ، ويدير تسبيحه وتقديسه على لسانه . وقيل : الضمير للّه ، أي : كل من داود والجبال والطير أواب ، أي : مسبّح للّه تعالى ومرجّع للتسبيح ، وقيل : لداود ، أي : يرجع لأمره . وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أي : قوّيناه بالهيبة والنّصرة وكثرة الجنود . قيل : كان بيت المقدس حول محرابه ثلاثة وثلاثون ألف رجل . قال القشيري : ويقال : وشددنا ملكه بالعدل في القضية ، وحسن السيرة في الرّعية ، أو : بدعاء المستضعفين ، أو : بقوم مناصحين ، كانوا يدلونه على ما فيه صلاح ملكه ، أو : بقبوله الحق من كلّ أحد ، أو : برجوعه إلينا في عموم الأوقات . ه . وقال ابن عباس : أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم إلى داود ، فقال المستعدى : إن هذا غصبنى بقرتي ، فجحد الآخر ، ولم تكن له بينة ، فقال داود : قوما حتى أنظر في أمركما ، فأوحى اللّه تعالى إلى داود في منامه : أن اقتل الرّجل الذي استعدى عليه ، فتثبت داود حتى أوحى اللّه إليه ثلاثا أن يقتله ، أو تأتيه العقوبة من اللّه ، فأرسل داود إلى الرّجل : أن اللّه قد أوحى إلىّ أن أقتلك ، فقال : تقتلني بغير بينة ؟ فقال : نعم ، واللّه لأنفذنّ أمر اللّه فيك ، فلما عرف الرّجل أنه قاتله ، فقال : لا تعجل علىّ حتى أخبرك أن اللّه تعالى لم يأخذني بهذا الذنب ، الذي هو السرقة ، ولكني كنت قتلت أبا هذا غيلة ، وأخذت البقرة ، فقتله داود ، فقال الناس : إذا أذنب أحد ذنبا أظهره اللّه عليه ؛ فقتله ، فهابوه ، وعظمت هيبته في القلوب ه . « 1 » . وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ ؛ النبوة ، وكمال العلم ، وإتقان العمل ، والإصابة في الأمور ، أو : الزبور وعلم الشرائع . وكلّ كلام وافق الحق فهو حكمه . وَفَصْلَ الْخِطابِ ؛ علم القضاء وقطع الخصام ، فكان لا يتتعتع في القضاء بين الناس ، أو : الفصل بين الحق والباطل . والفصل : هو [ التمييز ] « 2 » بين الشيئين ، وقيل : الكلام البيّن ، بحيث يفهمه المخاطب بلا التباس ، فصل بمعنى مفصول ، أو : الكلام البيّن الذي يبين المراد بسرعة ، فيكون بمعنى فاصل ، والمراد : ما أعطاه اللّه من فصاحة الكلام ، الذي كان يفصل به بين الحق والباطل ، والصحيح والفاسد ، في قضاياه

--> ( 1 ) أخرجه الطبري ( 23 / 138 - 139 ) والبغوي في التفسير ( 7 / 77 ) . وعزاه في الدر المنثور ( 5 / 563 ) لعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي اللّه عنه . ( 2 ) في الأصول [ التحيز ] .